ابن سبعين
381
رسائل ابن سبعين
فصل : الحكمة « 1 » هي فعل ما ينبغي كما ينبغي ، ثم هي نور اللّه الذي يطلع على الأفئدة ، ثم هي موافقة الأسرة في الذي رغب وأمر به ، بل هي فضيلة العلم ، ولا حق العمل . فصل : الحذر الحذر من مجالسة صاحب الوجهين ، وممن يختلس إذا لم يفترس ، وإياك ومحادثة وتنفيذ أوامر وسوسته . فصل : لا تتخلق بأخلاق المفرط ولا المفرّط ، فإن مجاوزة الحد خسران ، وتضييع ما لا بد منه حرمان . فصل : لا تتشبه بالذين من شأنهم أن يفرطوا فيما يضعونه ، ويتجاوزون الحدّ بمن يمدحونه في النوع الذي يصفونه ، فليس بمحمود من خلائق الكرماء ، ولا بمستحسن من
--> ( 1 ) قال سيدي علي وفا في المسامع : الحكمة صبغة الحسن ، والضد بالضد . وقال : يحكى أن بعض الناس راهن صاحبه على إغضاب بعض الأكابر ، ثم تعرّض لذلك الكبير وهو في محفله ، فأمسك بلحيته وبصق في وجهه وصفعه ، فهمّ حفدته بقتله فمنعهم ، ونظر إليه مبتسما وقال له : « إن كنت راهنت غلبت » . فاحذر أن تظن بهذا الكبير أنه ترك الحكمة في عقوبة هذا السفيه ؛ فإنه لو أظهر الغضب منه بسبه أو ضربه أو شيئا ما كان قد بلّغ ذلك السفيه مراده ، فإنه ما فعل فعلته حتى وطن نفسه على العقوبات كلها ليغلب صاحبه ، فلما فوّته ذلك بإعراضه عن عقوبته كان ذلك أبلغ عقوبة منه له ، فذلك عين الحكمة . وقال : الحكمة ما فيه وبه صلاح النظام ، وكمال القوام ، في كل مقام بحسبه ، والرحمة مبدأ الحكمة ، والحكمة صبغة الحسن ، والحسن موافقة الاختيار ، والاختيار إرادة ما يرى أنه مصلحة ، فهو لا يتعلّق إلا بما تعلقت به الحكمة ، لكن تارة يكون التمييز بالوهم ، فيحصل الغلط في عين المصلحة ، كأن يتوهم الورم سمنة فيختاره ، فاختياره لم يتعلّق في الحقيقة بالورم ، ولكن بالسمنة ، وإنما هو غالط في تعيين حقيقة مختاره ، وقس على هذا كل مستحسن ما هو في الواقع مفسدة . فإنما استحسنها من حيث زينت له ، فتوهمها مصلحة ، والأخلاق مبادئ الأفعال الجزئية ، وفضلها دائر مع استصحاب الحكمة وجودا وعدما ، فإن صحبتها الحكمة في الفعل فضلت ، فكانت حسنى ، وآثارها حسنات ، وإلا فلا : وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ [ القصص : 68 ] ، وبذلك أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ [ السجدة : 7 ] ، هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [ الأنعام : 102 ] ، فالقبح عارض لمن عارض بوهمه وضع الواضع بحكمه : إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ [ القلم : 39 ] ، ومن ثمّ جاء النهي التكليفي ، فالمتوهم صنع القبح لنفسه فيما صنعه الحكيم حسنا لمن لم يسلط عليه ذلك الوهم ، حكمة بالغة .